جلال الدين السيوطي
33
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
نور الدين أرسل إلى الخليفة المستضيء يعلمه بذلك ، فزيّنت بغداد ، وغلّقت الأسواق وعملت القباب ، وفرح المسلمون فرحا شديدا ، قال ابن الجوزيّ : وقد ألّفت في ذلك كتابا سميته : « النصر على مصر » . وكتب العماد الكاتب عن السلطان صلاح الدين إلى الملك نور الدين يبشّره بذلك : قد خطبنا للمستضيء بمصر * نائب المصطفى إمام العصر في أبيات ذكرتها في تاريخ الخلفاء . وقال بعض شعراء بغداد في ذلك : ليهنك يا مولاي فتح تتابعت * إليك به خوص الرّكائب توجف أخذت به مصرا وقد حال دونها * من الشّرك ناس في لها الحقّ تقذف فعادت بحمد اللّه باسم إمامنا * تتيه على كلّ البلاد وتشرف ولا غرو أن ذلّت ليوسف مصره * وكانت إلى عليائه تتشوّف تملّكها من قبضة الكفر يوسف * وخلّصها من عصبة الرفض يوسف كشفت بها عن آل هاشم سيّئا * وعارا أبى إلّا بسيف يكشف وهي طويلة . قال أبو شامة : أنشدت هذه القصيدة للخليفة قبل موته ، عند تأويل منام رئي في هذا المعنى ، وأراد بيوسف الثاني الخليفة المستنجد ، فلم يخطب إلّا لولده المستضيء ، فجرى الفأل باسم الملك النّاصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب ، وأرسل الخليفة المستضيء بأمر اللّه إلى الملك صلاح الدين خلعة سنيّة ، ومعها أعلام سود ، ولواء معقود ، ففرّقت على الجوامع بالشام وبلاد مصر . وكتب له تقليدا ؛ وهذه صورته : كتاب تقليد الخليفة لصلاح الدين أمّا بعد ، فإنّ أمير المؤمنين يبدأ بحمد اللّه الذي يكون لكلّ خطبة قيادا ، ولكلّ أمر مهادا ، ويستزيده من نعمه التي جعلت التقوى لها زادا ، وحمّلته أعباء الخلافة فلم يضعف عنه طوقا ولم يأل فيه اجتهادا ، وصغّرت لديه أمر الدنيا فما تسوّرت له محرابا ولا عرضت عليه جيادا ، وحقّقت فيه قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً [ القصص : 83 ] .